هوس تعلم اللغات
رحلة لا نهاية لها
بسم الله، وبعد.
أعود بكم أولا إلى باديء الأمر، الى زمن الطفولة حيث تنمو الأحلام أسرع مما تنمو الأجساد. حين كنت طفلة كنت أحب تجربة كل شيء وتعلم كل شيئ، لم يكن يتسنى لي ذلك دوما لكنني كنت أبذل قصارى جهدي. كانت لدي قناعة أنني أستطيع تعلم كل ما أحبه وكل ما يجذب إهتمامي، وذلك تقريبا كل شيء!!. وأعتقد أن الكثيرين عايشوا مثل هذه الأفكار في صغرهم. الآن لم تعد لدي تلك الرغبة في تعلم كل شيء ولله الحمد. لا أقول أن ذلك شيء سيء لكن على الإنسان أن يدرك أن هناك حدودا لقدرته وهذا ما يدركه الانسان مع تقدمه في العمر. استطعت الحفاظ على بعض تلك الإهتمامات الى يومنا هذا وفي المقابل تخليت عن العشرات منها. لكن هناك أهتمام لا زلت أحمله معي الى الان، وهو هوسي في تعلم اللغات. بالطبع كنت أكن اهتماما للغات عموما لكن ما أوقد نيران الهوس في عقلي كان إحدى حلقات برنامج خواطر لأحمد الشقيري. أصبحت مهوسةً جدا حتى أنني وضعت لنفسي هدفا أن أتعلم عشر لغات قبل بلوغ العشرين من عمري. وهذا هدف فشلت في تحقيقه بجدارة. فحاليا أنا لا أتحدث أكثر من ثلاث لغات. بدأت في تعلم الكثير من اللغات، لكنني حاليا جادة في خمس منها. فور ما أبدأ في تعلم لغة حتى تغويني لغة أخري، فأنجذب لها وأترك السابقة. كنت أوشك أن أبدأ في تعلم لغة جديدة، حين استيقضت من حالة الخدر التي كنت فيها وقررت بحزم عدم البدأ في تعلم أي لغة حتى أتقن أحدى لغاتٍ خمس أخترتها. لا أخفي عليكم أن ما أعرفه من تلك اللغات لا يتجاوز ما يعرفة طفل في الثانية. مرت فترة ليست بقصيرة من قراري ذاك، أستمررت فيه بتعلم لغاتي الخمس بأسلوبي الفوضوي الذي يناسبني جدا. الى أن وقعت عيناي مصادفة على هذا النص.
هذا النص غير نظرتي لمسألة اللغات بشكل تام، إن كان الانسان يفكر بقدر المفردات في عقله فهذا يعني أنني في مأزق. فبينما كنت أخوض مرثونًا في تعلم اللغات لم أكن أعير أي أهتمام لِلُغات التي أُجِيدُها وأهما اللغة العربية. حينها قررت أن أعود أدراجي. وأعود الى الأصل، قررت تثبيت وترميم ما لدي وتوقفت تماما عن بناء الأعشاش على أغصان عقلي اليابس من الأساس. وحتى أنجز تلك المهمة أرفض رفضا تاما ذلك الهوس المتعشعش في عقلي. وطبعا بعد قراءتي لذلك النص أصبح غبائي منطقيا جدا، فبينما كنت أتعلم مفردات أعرفها في لغات أخرى، كنت أستطيع تثبيت جذور اللغات التي أعرفها وأن أوسع مداركي في بحار اللغة الواسعة الذي لم يتسنى لي أن أتجاوز شواطئها قط. و ؤأكد بأن أهم تلك البحار هي بحر اللغة العربية الأعمق والأوسع. اللغة الأكثر شاعرية، لغة القرآن الكريم. إستغرقني تقيم وضعي بضعة أسابيع لأدرك أني لا أعرف شيئا من اللغة العربية. أشعار لا أفهم منها شيئا، نصوص عادية مكتوبة بأقلام كتاب معاصرين، وأجد فيها العشرات من المفردات التي لم أسمع بها من قبل. وحين أقلب صفحات كتبٍ من قرون ماضية أجدني في حيرة! هل أنا عربية أصلا؟. يشعرني ذلك بالاحباط، حين أفكر بطول الطريق الذي ينتظرني. لكن لا بأس فأنا أعرف جيدا أن تعلم اللغات رحلة لا نهاية لها، رحلة تستمر طوال الحياة.
جل اهتماماتي العملية والشخصية تتمركز حاليا حول اللغتين العربية والإنجليزية. فإنني أيضا أهدف لتثبيت الأساس لبناء لغتي الإنجليزية. على الرغم من التفاوت البالغ في أهمية اللغتين بالنسبة لي إلا أن هدفي واحد بشأنهما، وهو التحدث ببلاغة عالية في كلتيهما. ولا أعتقد ان هناك أي تعارض بين أهدافي هذه. أريد ألا أواجه أية صعوبة في تطويع الكلمات لإيصال ما أطلبه من معاني، ألا تستعصي علي الافكار وأن تخرج بسلاسة بالغة. كل هذا ينبع في الأصل من حبي للكلمات والمفردات التي كونت علاقة فريدة معها مع مرور الايام، بَدْأً من تعلمي للغات مختلفة، الى ما أنا عليه الآن من غوص في بحرين من بحارها. أكتم أنفاسي في إنبهار، كلما غصت اكثر، ازداد عجبا بجمال المفردات. الأحرف تشكل أجمل الفنون وأرقاها، فن الكتابة. فن يحمل الأفكار من عقل إلى آخر.
الفصاحة والبلاغة:
أن يصل الانسان الى أعلى درجات الفصاحة في لغته الاساسية للتواصل، أمر بالغ الأهمية وكيف لا، وكلما إزداد الانسان فصاحة إزدادت قدرته على إيصال أفكاره وقدرته على الإقناع، فمثلا إن كنا نشاهد مناظرة بين شخصين أحدهما يتحدث ببلاغة عالية على عكس الآخر، يجد الانسان نفسه بشكل تلقائي انه ينجذب لصاحب اللغة الأرقى، بغض النظر عن صحة وجهة نظره. "وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إنَّ من البيانِ لسِحرًا) أي اجتماعُ الفَصاحةِ والبلاغةِ، وذَكاءِ القَلبِ مع اللِّسانِ."(1) وذلك لا يعني استخدام مفردات معقدة أو شاذة، فلا يعقل لأحد أن يقنع بكلام لم يفهمه أصلا. فالفصاحة في نظري هي تنوع المفردات وإيصال المعنى المطلوب بإسلوب جميل يجذب السامع أوالقارئ. بينما البلاغة أعمق من الفصاحة، فقد قيل (أنَّ الفَصاحةَ مقصورةٌ على وَصفِ الألفاظِ، والبلاغةَ لا تكونُ إلَّا وصفًا للألفاظِ مع المعاني. لا يُقالُ في كَلِمةٍ واحدةٍ -لا تدُلُّ على معنًى يَفضُلُ عن مِثلِها- بليغةٌ، وإن قيل فيها: إنَّها فصيحةٌ. وكُلُّ كلامٍ بليغٍ فصيحٌ، وليس كُلُّ فصيحٍ بليغًا، كالذي يقعُ فيه الإسهابُ في غيرِ مَوضِعِهـ)(2) إن اخذنا بهذا الوصف فالبلاغة تعني أن المفردات المختارة ملائمة للمقام وفصيحة، والقدرة على إيصال المعاني بوضوح من غير إطالة.
طريقي الى البلاغة والفصاحة:
لا أزال أخطوا خطواتي الأولى في هذا الطريق، إلا أنه يسعدوني مشاركتكم أسالبي في زيادة حصيلتي اللغوية:
أولا: القرآن، تجويدا ومعاني:
قراءة القرآن بالتجويد يُقَوِمُ اللسان، وفهم معانيه يزيد المرء فصاحة، فليس هناك ما هو أكثر بيان وبلاغة من القرآن الكريم. ﴿وإنه لتنزيل رب العالميننزل به الروح الأمينعلى قلبك لتكون من المنذرينبلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥]
ثانيا: القراءة:
وليس قراءة أي كتاب، بل يجب أن يكون المقروء مما يثري القارئ لغويا. وهناك الكثير من الخيارات، وددت لو أستطيع ترشيح بعض الكتب لكم، إلا - ويحرجني القول - أنني لا أقرأ كثيرا، ولست ممن يرشح كتبا لم أقرأها. لكن بحثا بسيطا عن كتب تضفي ثراء لغويا سيعطيك فكرة عن نوعية الكتب التي أتحدث عنها. ولتكتمل الفائدة على القارئ كتابة الكلمات الجديدة، والمفردات التي تعجبه، والبحث عن معانيها في المعاجم.
ثالثا: القراءة بصوت عالي:
أختيار فقرة من الكتاب المقروء أو أي نص بليغ وقراءته بصوت عالي. وهذه الطريقة هي أسلوبي المفضل. وعن تجربة أخبركم أن رفع الصوت في القراءة يعين على فهم المقروء.
رابعا: حفظ الأشعار:
الشعر عالم آخر يختلف تماما عن قراءة الكتب. قرائته، وقراءة معاني المفردات وشروح الأبيات، بلا شك ستأخذك الى درجة مختلفة من الفصاحة. بالإضافة إلى حفظها. حفظت عشرات الأبيات من الأشعار التي أحبها، وساعدني ذلك كثيرا وخاصة في النطق. وهذا غير أنني أكتشفت في نفسي شاعرة صغيرة :))
خامسا: التدوين والكتابة:
كتابة كل ما يمر عليك من حكم أو فوائد سواء مسموعةً أو مقروءةً في دفتر خاص. فتدوينها يثبتها في الذاكرة ويسهل إسترجاعها عند الحاجة إليها. بالإضافة الى ممارسة الكتابة بشكل عام ولو بكتابة جملة واحدة في اليوم. وأيضا مما يفيد، كتابة التلاخيص والمراجعات للكتب، كل ذلك يعين الإنسان على تثبيت الفوائد وترتيب الأفكار.
في الختام، جل ما فعلته هو أنني أعدت ترتيب أولوياتي، على الرغم من أني خففت من سَعْي في طلب تعلم اللغات إلا أنني لم أتخلى عنها. فتعلم اللغات يربطنا بأُمَمٍ وثقافات المختلفة.قال الله تعالى﴿..وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..﴾. كل لغة عالم مختلف، ولديها ما يميزها عن اللغات الأخرى، ودوما ما أجد من المعاني في كل لغة ما لا أجده في أي لغة أخرى. حبي للغات حب لن ينضب أبدا، إلا انه من ذلك الحب تنبع رغبتي في بناء أساسات ثابته في ما أكتسبته مسبقا.
(1)(2)الفرق بين الفصاحة والبلاغة
…..
مقال عن تاريخ اللغة العربية:
#1: جواهر البيان في لغات العالم على مر الأزمان: اللغة العربية
اللغة هي وسيلة التواصل بين البشر وهي ما يعكس حضارة وثقافة متحدثيها. طالما عشقت اللغات وحلمت بفهمها والتعمق فيها وتعلم العديد منها، هذا ما يدفعني للبدأ في هذه السلسة التي سأتحدث فيه بإذن الله عن اللغات. وها أنا ذي أكتب لكم عن عشقي الأول اللغة العربية. التي لم تجد مني إلا الكثير من الخذلان واللحن. إلا أنني أروم في هواها لشدة جمالها الذي لم أستطع إدراكه من…






مقال رائع وجذاب وأعانني كثيراً على ترتيب بعض أفكاري …
في الواقع انا مازلت في بداية الرابعة عشر . و لدي دائماً رغبة في تعلم كل شئ في أن واحد !!
لأكون صريحة أنا لست بليغة في اللغة العربية و أعتقد أن علاقتي بها هي علاقة دراسة وحسب و أتمنى أن تتطور تلك العلاقة في المستقبل…
دائما ما أتخبط بداخلي لأني لا اعرف من أين أو كيف أبدأ اتمنى أن استطيع تعلم اللغة العربية بعد هذا المقال و أتعلم لغة ثالثة بعد الإنجليزي لأشعر أني حققت ما أريد ….
اتمنى إن كان لديك أي نصيحة لي تساعدني على رؤية الطريق الصحيح
💗💗💗
"ثالثا: القراءة بصوت عالي:"
بدأت القراءة بصوت عالي هنا 😆
انا متعلمة اللغة العربية بحمد الله