#1: جواهر البيان في لغات العالم على مر الأزمان: اللغة العربية
المختصر في تاريخ لغات العالم
اللغة هي وسيلة التواصل بين البشر وهي ما يعكس حضارة وثقافة متحدثيها. طالما عشقت اللغات وحلمت بفهمها والتعمق فيها وتعلم العديد منها، هذا ما يدفعني للبدأ في هذه السلسة التي سأتحدث فيه بإذن الله عن اللغات. وها أنا ذي أكتب لكم عن عشقي الأول اللغة العربية. التي لم تجد مني إلا الكثير من الخذلان واللحن. إلا أنني أروم في هواها لشدة جمالها الذي لم أستطع إدراكه من جميع الجوانب بعد.
وكما قال أحمد شوقي:
أَو دَع لِسانَكَ وَاللُغاتِ فَرُبَّما
غَنّى الأَصيلُ بِمَنطِقِ الأَجدادِ
إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً
جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ
يقدر عدد المتحدثين باللغة العربية 422 مليون متحدث كلغة أولى-لغة أم- بينما تعد لغة ثانية لأكثر من ٢٥٠ مليون نسبة. وبذلك تحتل المركز الرابع في قائمة أكثر اللغات المتحدث بها في العالم. ويقدر عدد متعلميها سنويا بين عشرين وثلاثين مليون متعلم. يغلب تواجد اللغة العربية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتتنوع لهجاتها إلى ما يصل إلى الثلاثين لهجة أو يزيد.
يدرج علماء اللغات اللغة العربية ضمن اللغات السامية منها اللغة الامهرية والتيغرينية و العبرية. واللغات السامية إسم مشتق من سام بن نوح الذي ينتسب إليه بعض الناطقين بتلك اللغات إلا أن إستخدام الإسم اليوم علمي بحت لا علاقة له بالأنساب. وتشترك جميع اللغات السامية في تشابه الحروف ومخارجها بالإضافة إلى أنها تتشارك بعض القواعد النحوية مما جعل العلماء يدرجون تلك اللغات في عائلة واحدة.
النشأة ومراحل التطور:
كانت الجزيرة العربية مهد اللغة العربية وكانت العرب قديمًا يتناقلون اللغة بالسليقة أي بالضبط الصحيح من دونما عناء بالأفواه كما كانت تُتداول وتُتناقل كل اللغات. واللغات تمر بمراحل وتغييرات عدة مع مرور الزمن وعادة ما تنشأ وتنتج من لغات أخرى حتى تتكون اللغة وتصل إلى مرحلة يطلق عليها أسم خاص بها. وبخصوص اللغة العربية يقول باحثي اللغات أنها خليط من لغات أخرى قديمة في الجزيرة العربية. إلا أنه ليس هناك الكثير ليقال في نشأة اللغة العربية فهناك الكثير من الأسئلة التي بقيت بلا إجابة في هذا الصدد.
تضاعفت أهمية اللغة العربية وانتشرت إنتشارً واسعًا بعد ظهور الأسلام وتوسعه لتصبح اللغة العربية محل عناية لكافة المسلمين الذين يحْدُوهم الشوق لفهم القران والسنة. هنا أصبحت اللغة العربية لغة لدين عظيم مع كونها لغة للقبائل العربية في الجزيرة. بعد توسع وتزايد متعلميها وانتشار رقعة الإسلام في البقاع أصبحت اللغة العربية مهددةً بالضياع والتشتت وكثرت الأخطاء على الألسن. وكانت بداية ذلك عندما توسعت رقعة الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهناك أثر يروى عنه، يقول: "تعلموا العربية فإنها من دينكم" مُحادثا من أسلم من الأعاجم غالبا. واستمرت الفصاحة في تدني واضح على ألسن العرب والعجم. حينها كان لا بد من كتابة القواعد لتثبيت ضوابط ومفاهيم اللغة. فبدأت الجهود للحفاظ على اللغة العربية من الضياع، قيل أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أول من ذكر القاعدة الأولى والأهم في النحو أن الكلمة تنقسم إلى فعل واسم وحرف، وقيل أنه أبو اﻷﺳﻮد اﻟﺪؤﱄ واختلف العلماء أيضا في تعين من قام بتنقيط الأحرف العربية فقيل أنه أحد ثلاثة أبو الأسود الدؤلي، ونَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْم . إلا أن واضع الحركات معروف وهو الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ سيباويه الذي كان أول من ألف في النحو وفصل فيه في كتابه «الكتاب» وعنى العلماء من بعده باللغة بصور عدة.
قواعد اللغة العربية تم إشتقاقها من القرآن والسنة وأشعار العرب في الجاهلية وغيرها من المصادر المشابه. والقواعد كانت موجودة في اللغة ما فعله العلماء هو أنهم استنبطوها من النصوص. وكان لا بد من ذلك فكتابة القواعد وتثبيتها كان إجراءً لازما للحفاظ على اللغة العربية من الضياع والذوابان.
جمال اللغة العربية:
اللغة العربية لغة بالغة الثراء، حيث تتنوع مفرداتها وتراكيبها بشكل بديع بليغ، تجمع بين جمال المفردات وعمق المعاني. وتعد اللغة العربية من أبرز اللغات التي حافظت على ثباتها وجوهرها عبر القرون وذلك من فضل الله بلا شك. فنحن اليوم نستطيع بكل سهولة قراءة كتابات من قرون مضت من دون ان تواجهنا أية معضلات. وذلك شيء نكاد لا نجده في الكثير من اللغات الأخرى.
والقران الذي يحمل من المعاني ما يتجاوز حروفه من أبرز ما يمكن أن يرينا عِظَم اللغة العربية.
وَ إِذَا تَفَاخَرَتِ الشُّعوبُ بِمَا أتىٰ
بِلُغَاتِها، وَ بِمَنطقِ الأَفوَاهِ
فَلَنَا الَّذي لَا يَبلُغُونَ جَمَالَهُ
لُغَةٌ بِها يُتلىٰ كَلَامُ اللَّهِ
محمد مقرن
اللغات التي يسهل لمتحدثي العربية تعلمها:
سهولة تعلم اللغات شيء نسبي ويختلف من شخص لآخر. إلا أنه يمكن إقتراح وترجيح سهولة بعض اللغات لمتحدثي لغة معينة بناء على بعض العوامل. وكما قلنا أن اللغات السامية تتشابه في بعض الأوجه فيمكن القول أنه سيسهل على متحدثي العربية تعلم اللغات السامية الأخرى. ويصح العكس بالتأكيد. ويمكن إضافة اللغة الفارسية التي تشترك مع العربية في الأحرف وإن وجدت بعض الإختلافات في النطق وكونها تحتوي اليوم على الكثير من المفردات العربية. والأردية كذلك لذات الأسباب.
وعموما متحدث اللغة العربية لديه أفضلية في تعلم اللغات كون أنه يسهل عليه إتقان مخارج الأحرف في الكثير من اللغات الأخرى التي قد تفتقد لبعض الأصوات ولا تحتوي على أي أصوات إضافية على ما يستطيع العربي نطقه.
علوم اللغة العربية1:
قسم علماء اللغة العربية علومها إلى ما يزيد على إثنا عشر علما منها (اﻟﻠﻐﺔ، واﻟﴫف، واﻻﺷﺘﻘﺎق، واﻟﻨﺤﻮ، والمعاني، واﻟﺒﻴﺎن، واﻟﺒﺪﻳﻊ، واﻟﻌﺮوض، واﻟﻘﻮاﰲ) هذه التي تعتبر أصولا، بينما (الخط، وﻗﺮض اﻟﺸﻌﺮ، والمحاضرات، والإنشاء) تعتبر فروعا.
علم اللغة أو المعاجم :
علم اللغة علم بالألفاظ المنقولة عن العرب وبمعانيها الدالة عليها بالمطابقة وفائدته التمكن من مخاطبة أهل اللسان والاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني.
علم النحو :
علم النحو يعرف به أحوال أواخر اللفظ إعرابا وبناء وفائدته الاحتراز عن الخطأ في اللسان وفي ضبط أواخر الكلمات.
علم الصرف:
علم الصرف : علم يعرف به أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب ولا بناء وفائدته الاحتراز عن الخطأ في اللسان والتمكن من الفصاحة والبلاغة .
علم الاشتقاق:
علم الاشتقاق : علم يعرف به أصل اللفظ وفرعه ، وفائدته التمييز بين المشتق والمشتق منه وبيان انتسابُ بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية.
علم المعاني :
إن علم المعاني علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها المطابقة لمقتضى الحال وفائدته فهم الخطاب وإنشاء الجواب مطابقا لمقتضى الحال وهو من اشرف العلوم النافعة في فهم القرآن الكريم.
علم البيان :
وإن علم البيان : علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه وفائدته التمكن من مخاطبة أهل اللسان بذلك ،وسمي بعلم البيان لأنه يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة لأجل بيان المعنى وإيضاحه.
علم البديع :
وأما البديع فهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة وفائدته معرفة ما يدخل في الكلام من المحسنات الجناس والطباق والتورية والاقتباس وغيرها وسمي بعلم البديع لأنه متعلق بالمحسنات البديعية.
ويجمع هذا العلوم الثلاثة اسم علم البلاغة : فهو يشمل (علم المعاني والبديع والبيان).
علم العروض:
فالعروض علم أصول يعرف بها صحيح أوزان الشعر وفاسدها وما يعتريها من الزحافات والعلل.
علم القوافي :
وأما علم القوافي فعلم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الأبيات الشعرية من حركة وسكون ولزوم وجواز وفصيح وقبيح و بحوث هذا الفن مثل ألقاب القافية وحروفها وإتقان مباحث هذا العلم فيه زيادة معرفة بالشعر العربي وإتقانه.
علم قرض الشعر :
وإن علم قرض الشعر علم يعرف به كيفية إنشاء الموزون المقفى السالم من العيوب وما الأمور التي على الشاعر أن يبدأ بها ويختم بها من موضوعات والأمور التي يجب أن يراعيها أو يتجنبها.
علم الخط :
وإن علم الخط أي الكتابة علم يعرف به أحوال الحروف في وضعها وكيفية تركيبها في الكتابة وفائدته الاحتراز عن الخطأ في الكتابة.
علم المحاضرة:
يبين كيفية ايراد قصة أو شعر أو سجع لمناسبة تقتضيها الحال فعلم المحاضرات، فيه معرفة الأشياء التي توافق الحالة.
علم الإنشاء:
هو صناعة النثر. وهو معرفة الإتيان بالكلام المنثور على سبيل الإنشاء، ويُعرف بفن الكتابة. بغض النظر عن نوعه سواءً كان خطبة أو رسالة إلخ..
هناك الكثير من العلوم الفرعية -ذكر بعضها منفردة- المندرجة تحت علم الأدب ويدخل فيه علم إنشاء النثر من الرسائل والخطب و، المقالةِ، القصّةِ، الشّعرِ، المسرحيةِ، الحكمِ والأمثالِ.
يقول العلماء أن أهم عِلمين هما علم اللغة وعلم النحو، علم اللغة هو علم المفردات فمن لديه حصيلة لغوية عالية وفهم للمفردات سيسهل عليه تعلم النحو. ومن يتقن النحو يسهل عليه فهم المفردات وتعلمها. فهما بابان يفتحان لبعضهما البعض. وجميع العلوم الأخرى ستسهل على من أتقنهما بإذن الله.
والنحو هو علم اللغة الأشهر والذي يثير الرهبة في نفوسنا للإعتقاد السائد بأنه شديد الصعوبة. وهذا ما يجعل الكثيرين يحجمون عن الإقتراب منه. وأعتقد أن هناك سببان رئيسيان لإعراض الناس عن تعلم علوم اللغة أولا أنه صعب —أو هذا ما نظن— وثانيا الأعتقاد بأنه ليس بتلك الأهمية التي تستحق أن يتكبد المرأمن أجلها العناء!! وكلا الإعتقادين خطأ في ما أراه، إذ أن النحو وعلوم اللغة الأخرى كأي علم قد يواجه متعلمها بعض الصعوبات إلا أن تعلمها وإتقانها ليس مستحيلا، خاصة مع توفر الدافع الكافي والفهم الجيد لأهمية اللغة العربية. وتلك الأهمية تكمن في كونها الباب المؤدي إلى فهم القرآن وعلوم الدين. ويؤجر متعلمها بإذن الله مع نية صحيحة خالصة.
إن نسبة المسلمين الناطقين بالعربية تقدر ب 27.5% من بين ملياري مسلم في العالم. وكونك الآن تقرأ كلماتي هذه فأنت في نعمة عظيمة يتمناها الملايين.
المصادر:
اللغة العربية: الموسوعة العربية
الدول المتخذة العربية لغة رسمية
إقتراحات إضافية:
تاريخ علوم اللغة العربية | طه الراوي
تاريخ آداب اللغة العربية | محمد دياب
المختصر في علوم اللغة العربية | أيمن أبو صالح
https://mtafsir.net/threads/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%AE%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.58253/
مدونة سابقة عن علاقتي باللغات:






