وهم الإنجاز: كتب تنمية وتطوير الذات
ضحايا الوهم الفارغ
هل يتعلم المرء السباحة بقراءته عن البحر وكيف يسبح؟ وهل يتعلم الإنسان العيش بأن يقرأ عن الحياة وكيف يعيشها؟ بالطبع لا، يتعلم الانسان بالتجربة وبالغوص في البحر والحياة والإنغماس في ما فيه النفع. فعندما نقراء كتب التنمية الذاتية قراءتنا لها لا تعني أننا نَمَونَا بعدها أو تطورنا. فالنمو والتطور لا يحدث من تلقاء نفسه، بل يكون مبنيا على أفعال وخطوات، لا بمجرد القرآءة. بالطبع القراءة المحضة تفيد عند القراءة من أجل المعرفة والنمو الفكري. إلا أن تلك الكتب مصادر فقيرة في ذلك الباب. بالطبع أنا لا أنفي الفائدة بشكل تام عن هذه الكتب، قد تحتوي على بعض الفوائد لكنها ليست أفضل خيار من أجل التطور والترقي في سلم الحياة.
قراءة مثل هذه الكتب تعطي إحساسا زائفا بالإنجاز. فبمجرد أن ينتهي المرء من كتابٍ من ذاك النوع يشعر على الفور بأنه إنسان أفضل، ليجد نفسه كما كانت بعد حين. ويعاود الكرة. يفتح كتابا آخر بحثا عن ذلك الشعور المؤقت الذي يطمئنه بأنه بالفعل يفعل شيئا ليتغير للأفضل. لكن بلا أي فائدة. فأنه لا يتغير. هذه الكتب تلعب بعواطف الناس وتوجهها بطرق مخادعة توهم بالنفع ونادرا ما تدر بأي نتيجة. بالإضافة إلى أن الإكثار من قراءة تلك الكتب تسبب ما يسمى بالتخمة المعرفية، وهي أن يتلقى الإنسان كِمًا كبيرا من المعلومات مما يصعب على العقل البشري إدراكه ومعالجته. وبالتالي ما بذله القارئ من جهد يكون هباءا .
قراءة كتب التنمية البشرية مضيعة للوقت، والفطن هو من يقضي وقته في ما هو أكثر نفعا وأدوم أثرا.
من تجاربي السابقة مع قراءة كتب التنمية لاحظت أنها غالبا ما تحتوي على القليل من الفائدة وسط الكثير من الكلام الفارغ، ومن الصعب إيجاد الجيد منها. وهنا أرغب في توضيح نقطة، هناك فرق بين كتب التنمية البشرية وكتب علم النفس، فإنه يصعب على الناس التفريق بينهما. من أهم الفوارق أن كتب التنمية بشرية قائمة هلى خطوات لتحفيز الذات وتطوير القدرات الشخصية، وتلك اشياء تختلف من شخص الى آخر. بينما كتب علم النفس مكتوبة بأيدي اخصائيين في المجال، يتحدثون غالبا عن علاجات لإضطرابات قائمة على أبحاث وتحليلات علمية للسلوكيات والعقل البشري وتناقش مشاكل تواجه فئةً معينة من الناس. وهذه الكتب لها فوائدها سواء لمختصين آخرين أو لعامة الناس.
هل من بديل؟
اعتقد انك يا عزيزي قاريء كتب تطوير الذات قد قرأت بالفعل ما يكفيك من تلك الأصناف من الكتب وعليك الآن البدأ في التنفيذ والتطبيق. لن أقول أن على الإنسان العزوف تماما عن هكذا محتوى لكن اعتقد انه يفضل التقليل منها بلا شك وإستبدالها بما فيه أضعاف النفع والفائدة ممن يوسع المدارك، فهناك الكثير من الخيارات الأنفع. وإن تلك الكتب ليست وحدها ما يعين على تنمية النفس-إن كانت تفعل ذلك أصلا- فإن أبرز ما يمكن أن يطور من الإنسان ويجعله أفضل وأكثر رقيا وأخلاقا، قراءة السيرة العطرة لخاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقراءة سير الصالحين من بعده. فهذه الكتب لا تملؤها النظريات والإفتراضات، بل تحتوي على قصص حقيقية فيها من العبر والدروس ما يغني عن الآلاف من الكتب التي كتبت عن تطوير الذات.
إن أردت التغير بصدق، سيكون عليك أن تتخلى تماما عن ما لا ينفعك ويفيدك. وأن تستبدل ما هو أقل نفعا، بما هو أكثر نفعا. سيكون عليك تغيير الكثير من عاداتك. الأمر ليس سهلا. ولا احد يستطيع أن يخبرك كيف تفعل ذلك، أنت الأعلم بظروفك وحياتك والى أين أنت ذاهب وأين تقف. فأنت وحدك من يستطيع أن يجد حلا لمشاكلك. ربما كنت تظن أن كتابا من كتب تطوير الذات هو ما أنت في أمس الحاجة إليه، فأرجوا أن مقالي هذا جعلك تعيد التفكير في هذا الأمر. لأن التغيير الحقيقي والحلول الجذرية لابد من تكون نابعًا من أعماق الفرد ليكون لها أثرٌ يدوم طويلا. وبالطبع لا تنسى الإكثار من الدعاء واللجوء الى الله. وكما نعلم ﴿..إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم..﴾ فطريقك الى التغيير لتكون أفضل مما أنت عليه اليوم، هو نفسه طريقك لتجعل حياتك أفضل مما هي عليها اليوم.
شاركوني آرائكم بهذا الموضوع.
وأشكر لكم حسن المطالعة.. سلام.
١. Information overload: التخمة المعرفية



